العلامة المجلسي
348
بحار الأنوار
وعلة أخرى أن الله عز وجل أحب أن يبدأ الناس في كل عمل أولا بطاعته وعبادته ، فأمرهم أول النهار أن يبدؤا بعبادته ، ثم ينتشروا فيما أحبوا من مرمة دنياهم فأوجب صلاة الغداة عليهم ، فإذا كان نصف النهار وتركوا ما كانوا فيه من الشغل ، وهو وقت يضع الناس فيه ثيابهم ، ويستريحون ويشتغلون بطعامهم وقيلولتهم ، فأمرهم أن يبدؤا أولا بذكره وعبادته ، فأوجب عليهم الظهر ، ثم يتفرغوا لما أحبوا من ذلك . فإذا قضوا وطرهم وأرادوا الانتشار في العمل لآخر النهار بدؤا أيضا بعبادته ثم صاروا إلى ما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم العصر ، ثم ينتشرون فيما شاؤوا من مرمة دنياهم فإذا جاء الليل ووضعوا زينتهم وعادوا إلى أوطانهم ابتدؤا أولا بعبادة ربهم ثم يتفرغون لما أحبوا من ذلك ، فأوجب عليهم المغرب . فإذا جاء وقت النوم ، وفرغوا مما كانوا به مشتغلين أحب أن يبدؤا أولا بعبادته وطاعته ، ثم يصيرون إلى ما شاؤوا أن يصيروا إليه من ذلك ، فيكونوا قد بدؤا في كل عمل بطاعته وعبادته ، فأوجب عليهم العتمة ، فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ولم يغفلوا عنه ، ولم تقس قلوبهم ، ولم تقل رغبتهم . فان قيل : فلم إذا لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الأوقات أوجبها بين الظهر والمغرب ، ولم يوجبها بين العتمة والغداة ، أو بين الغداة والظهر ؟ قيل : لأنه ليس وقت على الناس أخف ولا أيسر ولا أحرى أن يعم فيه الضعيف والقوي بهذه الصلاة من هذا الوقت ، وذلك أن الناس عامتهم يشتغلون في أول النهار بالتجارات والمعاملات ، والذهاب في الحوائج ، وإقامة الأسواق فأراد أن لا يشغلهم عن طلب معاشهم ، ومصلحة دنياهم ، وليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل ، ولا يشعرون به ، ولا ينتبهون لوقته ، لو كان واجبا ، ولا يمكنهم ذلك فخفف الله تعالى عنهم ، ولم يجعلها في أشد الأوقات عليهم ، ولكن جعلها في أخف الأوقات عليهم ، كما قال الله عز وجل : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد